ابراهيم بن عمر البقاعي
319
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
النوم والصعق من آيات اللّه على لقاء اللّه وهي مقدمات لذلك ، ولكل حقيقة حق يتقدمها كأشراط الساعة ، والإسراء وإن لم يكن موتا ولا صعقا ولا نوما على أظهر الوجوه فقد خرج عن مشاهدات الدنيا إلى مشاهدات الأفق الأعلى فلا تنكر الرؤية هنالك ، فالإسراء حالة غير حالة الدنيا ، بل هي من أحوال الآخرة وعالم الغيب - واللّه الهادي . ولما تقرر ذلك غاية التقرر ، وكان موضع الإنكار عليهم ، قال مسببا عن ذلك : أَ فَتُمارُونَهُ أي تستخرجون منه بجدالكم له فيما أخبركم به شكا فيه ولا شك فيه ، وعبر بالمفاعلة في قراءة الجماعة عن حمزة والكسائي ويعقوب إشارة إلى اجتهادهم في تشكيكه ، من مري الشيء : استخرجه ، ومري الناقة : مسح ضرعها ، فأمرى : در لبنها ، والمرية بالكسر والضم : الشك والجدل عَلى ما يَرى * على صفة مطابقة القلب والبصر ، وذلك مما لم تجر العادة بدخول الشك فيه ولا قبوله للجدال ، وزاد الأمر وضوحا بتصوير الحال الماضية بالتعبير بالمضارع إشارة إلى أنه كما أنه لم يهم لم يلبس الأمر عليه ، بل كأنه الآن ينظر . ولما كان الشيء أقوى ما يكون إذا حسر البصر ، فإذا وافقه كون القلب في غاية الحضور كان أمكن ، فإذا تكرر انقطعت الأطماع عن التعلق بالمجادلة منه ، قال مؤكدا لأجل إنكارهم : وَلَقَدْ رَآهُ أي اللّه تعالى أو جبرئيل عليه السّلام على صورته الحقيقية ، روى مسلم في الإيمان عن عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما قال ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ، قال : « رآه بفؤاده مرتين » « 1 » وجعل ابن برجان الإسراء مرتين : الأولى بالفؤاد مقدمة وهذه بالعين . ولما كان ذلك لا يتأتى إلا بتنزل يقطع مسافات البعد التي هي الحجب ليصير به بحيث يراه البشر ، عبر بقوله : نَزْلَةً وانتصب على الظرفية لأن الفعلة بمعنى المرة أُخْرى أي ليكمل له الأمر مرة في عالم الكون والفساد وأخرى في المحل الأنزه الأعلى ، وعين الوقت بتعين المكان فقال : عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى * أي الشجرة التي هي كالسدر وينتهي إليها علم الخلائق وينتهي إليها ما يعرج من تحت وما ينزل من فوق ، فيتلقى هنالك ، وذلك - واللّه أعلم - ليلة الإسراء في السنة الثالثة عشرة من النبوة قبل الهجرة بقليل بعد الترقي في معراج الكمالات من السنين على عدد السماوات وما بينهما من المسافات ، فانتهى إلى منتهى يسمع فيه صريف الأقلام ، وعظمها بقوله : عِنْدَها أي السدرة جَنَّةُ الْمَأْوى * الذي لا مأوى في الحقيقة غيره لأنه لا يوازي في عظمه ،
--> ( 1 ) تقدم في الذي قبله .